الطاهر غرسة… حارس المالوف وصوت العود التونسي

 

في المدينة العتيقة بتونس، وعلى

بُعد خطوات من تربة الباي حيث يرقد بايات البلاد، وُلد في السادس عشر من مارس 1933 طفلٌ سيصبح ذات يوم أحد أعمدة الموسيقى التونسية الأصيلة، وحارساً أميناً على تراث المالوف، وواحداً من أكبر من حملوا العود التونسي وأنطقوه. إنه الشيخ الطاهر غرسة، الموسيقار والملحن والمطرب الذي ظل طوال سبعة عقود وفياً لدرسٍ واحد تعلمه صغيراً: أن الأصالة ليست جموداً، بل أمانة تُصان وتُورَّث.

في حضن الشيخ خميس الترنان

لم تكن طفولة الطاهر غرسة طفولة عادية، فقد شاءت الأقدار أن يرتبط منذ صغره بكبير شيوخ التقاليد الموسيقية الأندلسية في تونس، الشيخ خميس الترنان، الذي كان بالنسبة إليه الأستاذ والأب الروحي معاً. عن الترنان أخذ الفتى أسرار العزف على العود التونسي، ذلك العود الرباعي الأوتار، الخفيف الرنان، الذي يختلف عن العود الشرقي في بنيته وروحه.

وبالتوازي مع هذا التكوين التقليدي القائم على المشافهة والمجالسة، تابع الطاهر غرسة دروس الكونسرفتوار، فجمع بين المدرستين: مدرسة الشيوخ ومدرسة المعاهد، وتُوّج هذا المسار بحصوله على ديبلوم الموسيقى العربية سنة 1956. هذا المزج بين الحفظ الشفوي والتكوين الأكاديمي سيطبع مسيرته كلها، ويجعل منه جسراً فريداً بين جيل الرواد وأجيال ما بعد الاستقلال.

المعلّم وحامل الأمانة

آمن الطاهر غرسة بأن التراث لا يُحفظ في الخزائن بل في الصدور، فنذر حياته للتدريس والتكوين. درّس مادة الموسيقى بالمعاهد الثانوية وبالمعهد الرشيدي وبالمعهد الوطني للموسيقى، وتخرّج على يديه عدد كبير من الموسيقيين والمطربين الذين يدينون له بالفضل في تكوينهم.

وبعد وفاة أستاذه خميس الترنان في أواسط الستينات، كُلّف بالإشراف على المجموعة الصوتية للإذاعة التونسية طيلة اثنتي عشرة سنة، فواصل من موقعه ذاك ما بدأه شيخه: صون الأغنية التونسية العتيقة وتهذيبها وتسجيلها ونشرها بأسلوب راقٍ. ثم جاء التتويج الطبيعي لهذا المسار حين تولى إدارة المدرسة الرشيدية خلال تسعينات القرن الماضي، تلك المؤسسة العريقة التي تأسست سنة 1934 والتي تُعدّ بيت المالوف التونسي الأول.

المنشد الفرد… تقليد أنقذه من الاندثار

من أجلّ ما يُحسب للطاهر غرسة أنه أعاد إلى الأذهان أهمية المنشد الفرد في تأدية المالوف. فقد كان هذا التقليد أصيلاً معمولاً به في تونس، قبل أن يكاد ينقرض حين اقتصرت الفرق المعروفة على الأداء الجماعي. وقف الشيخ الطاهر ضد هذا النسيان، فأحيا بصوته وعوده تقليد الإنشاد الفردي، مذكّراً بأن المالوف ليس جوقة فحسب، بل هو أيضاً صوتٌ واحد يحمل المقام ويحاوره.

وعلى درب التجديد من داخل الأصالة، لحّن الطاهر غرسة على النمط العتيق عدة وصلات وقطع صامتة وأغانٍ حضرية في اللون التونسي الأصيل، ومن أعماله المميزة تلحينه «ناعورة الأختام». فكان بذلك من أهم الذين أضافوا إلى الموسيقى التونسية دون أن يخرجوا عن روحها.

ليلة النجمة الزهراء : العود التونسي سيداً

في أكتوبر 1996، وبقصر النجمة الزهراء بسيدي بوسعيد، عاش الطاهر غرسة إحدى أجمل لحظات مسيرته. ففي افتتاح الأيام الموسيقية «لقاء العودين العربي والأوروبي»، قدّم الشيخ لأول مرة في حياته عرضاً موسيقياً يقتصر على العزف دون الغناء. وكانت تلك أيضاً المرة الأولى التي يُستخدم فيها العود التونسي آلةً للعزف المنفرد قائمةً بذاتها، خارج سياق الأداء الجماعي أو مرافقة الإنشاد.

ذلك التسجيل الحي، الذي يحتفظ به مركز الموسيقى العربية والمتوسطية، صار وثيقة تاريخية بكل المقاييس: شهادة على أن العود التونسي، الذي دافع عنه الطاهر غرسة طوال حياته أمام سطوة العود الشرقي، قادرٌ على أن يقف وحيداً على الخشبة ويملأ القاعة طرباً.

الإرث الحي : من الطاهر إلى زياد

رحل الشيخ الطاهر غرسة يوم 10 جوان 2003 بتونس العاصمة، تاركاً وراءه اسماً كبيراً وسمعة فنية محترمة لدى الجميع. لكن مدرسته لم تُغلق أبوابها، فقد ترك للموسيقى التونسية ابنه زياد غرسة، الذي تشرّب المالوف في حضن أبيه ونهل من مدرسة الترنان نفسها، قبل أن يتولى بدوره قيادة الفرقة الرشيدية منذ سنة 2006، ويواصل اليوم الدفاع عن العود التونسي تأليفاً وتدريساً وعزفاً.

طاهر إذا أمكن، والمشاركة في ورش عمل وحفلات محلية لاكتساب الخبرة.